مقالات متنوعة

الوقف الاستثماري لحماية البيئة

يشهد العمل التطوعي، في الشأن البيئي، تطورات اساسية تطال جذوره ومفهومه، وتعطيه دفعاً في الأداء والنتائج لم يسبق ان عرفها قرابة قرن من الزمن. وما الثروات العملاقة، التي اوقفها اصحابها على الاعمال الخيرية في الآونة الأخيرة، إلا واحدة من هذه التطورات العميقة، لأنها جاءت مشفوعة بنظرة جديدة إلى الرأسمالية ودورها في الجهود المبذولة ، في العمل الخيري لحماية البيئة بالعلم والجهد والمال. لقد تنادى أصحاب النظرة الجديدة إلى أسلوب جديد للعمل الخيري وللرأسمالية في آن، وما يتوخى منهما على صعيد معالجة الفقر بتنمية الموارد البيئية في العالم، جنباً إلى جنب مع التزايد السكاني.

ظهرت بوادر العمل التطوعي بشكل عام بشكلها الراهن في الوطن العربي، خلال القرن التاسع عشر. واستمر بوتائر مختلفة، حسب الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لكل دولة، وكان له إسهامات معتبرة في تقديم العون والمساندة للمحتاجين وصولاً إلى العمل التطوعي لحماية البيئة التي يستفيد من ازدهارها الجميع.

تشكل الثقافة السائدة والقيم الجديدة في مسار التطور المعيشي، عوامل مهمة لتنشيط العمل التطوعي، لما للحاضنة الثقافية والقيمية من تأثير على الدوافع والأسباب التي يحملها الناس. ومما لا شك فيه، أن الموروث العربي بصورة عامة والعربي الإسلامي، بصورة محدودة، يحتوي على العديد من القيم التي تحفز الفرد على السعي من اجل مساعدة الآخرين. ففي الثقافة الإسلامية، حظي العمل التطوعي بمكانة عالية من الاهتمام،إذ نجد الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي تحث على كفالة الأيتام، ومساعدة الضعفاء والمعوزين والفقراء، ومد يد المساعدة للعاجزين والمعوقين، والإسهام في التعليم ونشر العلم، والحفاظ على البيئة باعتبارها عماراً وخيراً عاماً يستفيد منه الجميع، بالتبرع لها والتطوع لمساندتها، والمشاركة في العمران والتطوير والاستثمار في الساحة البيئية، إلى آخر ما هنالك من مجالات متعددة ومتنوعة في العمل الخيري والتطوعي. وقد صدرت في سبيل ذلك فتاوى تحث على التبرع، منها فتوى للشيخ القرضاوي التي تحضّ على دفع المال لإجراء البحوث البيئية المستجدة التي يستفيد منها الإنسان. لا يوجد مفهوم واحد للعمل التطوعي عند المختصين بهذا المجال، ولكن اغلب التعريفات تتفق على الأقل بأن كلا" من الجوانب التالية يشكل عنصرا" مهما" في مفهوم العمل التطوعي:

  • انه يعكس وعي المواطن وواجبه وإدراكه لدوره في المجتمع وفي الانتماء اليه.

  • ان العمل التطوعي هو الجهد الذي يبذله المواطن من اجل مجتمعه القريب منه والملتصق به او من اجل جماعة معينة من الناس هي الأسرة والحي والناس المحيطين به، من دون توقع جزاء مادي مقابل جهوده سواء كان هذا الجهد بالنفس او المال.

  • ان العمل التطوعي هو جهد ارادي يقوم به الفرد او الجماعة من الناس طواعية بتقديم خدماتهم للمجتمع او احدى فئاته.

من هذا، يمكن الاستنتاج ان العمل التطوعي هو حركة اجتماعية، تهدف الى تأكيد التعاون وابراز الوجه الانساني للعلاقات الاجتماعية، مع ابراز اهمية التفاني في البذل والعطاء عن طيب خاطر في سبيل سعادة الآخرين. ففي الشأن البيئي تسيطر الأحزان على مختلف الشرائح الاجتماعية حين تتدهور البيئة لكن الجميع يصبحون سعداء عند تحقيق التنمية في إطار البيئة السليمة . ولكن لا يجب ان ينظر إلى العمل التطوعي بمنظور مثالي لجهة اهداف الافراد الذين ينخرطون بالعمل التطوعي ودوافعهم، حيث قد تكون هناك اهداف شخصية، وإن كانت غير مباشرة، للافراد تؤثر على العمل التطوعي سلبا" في بعض الاحيان.

جاءت اهمية العمل التطوعي من عدم قدرة الدول على الاستجابة لكل الحاجات المجتمعية، وتأتي البيئة في مقدمتها، او تلك الخاصة ببعض الفئات لأسباب مادية بحتة، تتلخص في عدم القدرة على توفير المصادر المالية الكافية لسد حاجات كافة افراد المجتمع. وتحتل الأولوية في هذا المقام المشاريع الصغيرة التي تجمع عدداً من الفقراء، تؤدي على سبيل المثال، إلى إصلاح الأرض للقيام بمشروع زراعي يسد حاجات السكان ويمنع الهجرة من الريف إلى المدن. وفي عصرنا الحالي، بتحولاته الثقافية والتكنولوجية والاقتصادية، صار العمل التطوعي محركا" لكثير من الشباب المتحمسين بدوافع مختلفة.

ونحاول هنا، ونحن نستشرف الذكرى 150 لانشاء اعرق منظمة للعمل الانساني هي الهلال والصليب الاحمر الدوليين، رصد هذه التحولات والدوافع لدى المتطوعين الجدد، لمعرفة أمر التطوع بالنسبة لعمل عرف بمثالية دوافعه عبر التاريخ. لقد تأكد لنا أن العمل التطوعي هو عمل خيري.

بدايات العمل التطوعي: بدأت اولى الخطوات التي بدلت وجه العمل التطوعي ، ربما إلى الابد، في السادس والعشرين من يونيو 2006م عندما تبرع وارن بافت، الملياردير الامريكي، بمبلغ 31 مليار دولار من ثروته للاعمال الخيرية، واضعا" هذا المبلغ الضخم بين يدي منظمة بيل وميلندا غيتس الخيرية ، إضافة إلى ستة مليارات اخرى من الدولارات وضعها تحت تصرف منظمات اخرى تديرها عائلته. سبقه في ذلك بأيام فقط بيل غيتس"محرك" مايكروسوفت العملاقة الذي تبرع برقم مشابه لانشاء منظمة بيل وميلندا الخيرية.

فما الذي دعا اثنين من اغنى اغنياء العالم إلى بذل مثل هذه المبالغ التي تعادل اقتصاديات عدد من الدول مجتمعة؟ هل كان ذلك من اجل صرفها على فقراء العالم كما فهمنا، عبر العصور، من تعبير"العمل التطوعي الخيري"؟أم وراء ذلك اسباب وأفكار اخرى؟ ان الاختلاف الكبير في العمل التطوعي مقارنة بالعقود السابقة، نابع من التحولات الثقافية التي طرأت على الانسان، وهي تحولات طبيعية تمر بها الامم عبر العصور، لقد عرفنا عبر التاريخ، ان لكل امة عقولا" تجدد دماءها كلما ركدت، وأشخاصا" يحملون راية الطلائع في عصرهم، وهم اكثر الشخصيات تأثيرا" على الثقافة الجمعية للناس. في الغرب مثلا"، يمكن ان يكون بيل غيتس هو المحرك لتلك الثقافة الجمعية. فالرجل استطاع ان ينقل شركته التي أنشأها في عام 1975م، من شركة صغيرة إلى اكثر الشركات تأثيرا" في العالم من خلال اسهاماتها في ارساء ما يسمى "عصر العولمة".

ان الحراك الثقافي الكبير الذي احدثه التقدم التقني في الانتاج في هذا العصر، هو ما حفز احد عرّابيه لتجربة حظه مرة اخرى. لكن هذه المرة في مجال اتفق الناس على انه يصب في مساعدة الآخرين دون انتظار اجر على ذلك، ليس هذا فحسب، وإنما ان يتنازل عن ادارة شركته العملاقة مايكروسوفت، متفرغا" للعمل بدوام كامل في منظمته"بيل وميلندا غيتس الخيرية"، مستصحبا" في ذلك الخبرات التي جناها طوال اكثر من ثلاثين عاما" في عالم الاعمال. وهو التحدي الجديد الذي وضع صاحب مايكروسوفت نفسه فيه.

الرأسمالية الخيرية: ربما كان المصطلح في حد ذاته غريبا" نسبة لجمعه بين متناقضين Philanthrocapitalism فقد اتفق الناس على التفريق بين العمل الخيري كنشاط انساني يرتاده المثاليون، والمتطوعون وبين الاقتصاد الرأسمالي كنشاط تجاري هدفه المعلن هو الربح فقط. فما هي حقيقة هذا المصطلح الجديد؟. يؤمن المتبرعون الجدد بعدم فعالية نظام العمل الخيري القديم في مواجهة مشكلات العالم البيئية التي تشكل عبئاً باهظاً تحتاج إلى مجهود ضخم وأموال كثيرة من المانحين. فعلى الرغم من المليارات التي تصرف سنويا" على العمل الخيري، إلا ان القليل من التغيير فقط يحدث نحو الافضل على ارض الواقع فإذا كان التبرع للاصحاح البيئي فإن المبالغ الصغيرة لا تؤدي الى نتيجة عملية تذكر، فالتدهور البيئي كبير جدا" وومتفاقم بسبب تراكمه طيلة عقود. لذا ، يعتقد الرأسماليون الجدد بإمكانية القيام بعمل افضل مقارنة بمن سبقهم في هذا المجال. وبعدما شكلت العقود السابقة حقبة ذهبية للرأسمالية، لذا يفكر المتبرعون الجدد ان بإمكانهم تطبيق نجاحاتهم التي اكتسبوها في مجال الالتزام والانخراط في العمل الخيري التطوعي بالكفاءة نفسها. ومن هنا جاءت تسمية هذه الاتجاه الجديد بـ"العمل الخيري".

تعتقد"الرأسمالية الخيرية " ان بإمكانها انقاذ ملايين الارواح من براثن الفقر والجوع والمرض والجهل التي تعصف بالعالم الحديث خصوصا" بما ينجم عن الكوارث البيئية، عن طريق الاموال والخبرات المتراكمة المكتسبة خلال عقود من أوجه النشاط في مجال الاعمال. مما يدل على جدية هذه "الحركة" الرأسمالية الجديدة. فقد تفرغ بيل غيتس للعمل في مؤسسته الخيرية ابتداء" من شهر يونيو حزيران 2008م . وهو يقول في مقابلة اجريت معه"إن اثنين من خمسة اشياء مهمة حقّقتُْها في حياتي، هما الحاسب الشخصي والدافع الانساني الذي غير حياة المليارات من الناس، اما الثاني فهو ما آمل تحقيقه في مجال العمل التطوعي". تقوم منظمة بيل وميلندا الخيرية بمحاربة الامراض التي تعصف بالدول النامية في افريقيا وآسيا مثل الملاريا والسل والاسهال والايدز. كما تقوم بتمويل اربعة عشر مشروعا" للابحاث في مجال اللقاحات وتطوير طرق اقتصادية فعالة لقياس الصحة العامة. كما تقوم المنظمة بتوفير مئات الملايين من الدولارات سنويا" لتسريع عجلة النمو الاقتصادي في الدول الفقيرة، اضافة إلى تحالفها مع "مؤسسة روكفلر الخيرية" التي تعمل منذ عام 1940م على مساعدة المزارعين على الالتزام بالعمل على اصلاح الشأن البيئي، في الابتعاد عن الاستخدام الجائر في التعامل مع بوادر البيئة، كترشيد استخدام المياه وعدم تلويثها للحصول على محصول افضل في دول افريقيا وآسيا(مجلة القافلة).

مما لا شك فيه، ان حركة الرأسمالية الخيرية لاتزال تنمو باطراد بزيادة عدد الاثرياء في العالم لكن المشاكل البيئية الحادة مازالت في ازدياد. ففي عام 2008م، ذكرت مجلة فوربز ان عدد اصحاب المليارات في ذلك العام وصل إلى 1125 مقارنة بـ140فقط، في عام 1986م، هذا بالاضافة إلى الآلاف من اصحاب الملايين. وبظهور الرأسمالية الخيرية، تطورت مصطلحات اقتصادية جديدة لتصف هذا الاتجاه المختلف في العمل الخيري، مثل "المضاربة الخيرية"Venture Philanthropy حيث ينظر العاملون في هذا الشأن إلى انفسهم كمستثمرين اجتماعيين وليس كمتبرعين تقليديين، وكمجددين يدعمون الذين يقدمون حلولا" خلاقة لمشكلات المجتمع Philanthropreurs وكمسِخّرين للارباح التي يجنونها من العمل الخيري، التي يفترض ان يمنح المال لا ان يأخذ! .

لكن ترى الرأسمالية الخيرية انه اذا كان في الامكان منح المال من اجل حلول لمشكلات البيئة والمجتمع، ونتج عن ذلك مردود مادي، فإنه من الممكن جذب الكثير من رؤوس الاموال بصورة اسرع، مما يخلق اثرا" ايجابيا" سريعا" اكثر، من مجرد التبرع بهذه الاموال، وهذا ما يجعل امر التبرع بها اكثر فاعلية. ويثبت صدق هذه النظرة العدد المطرد من الاعمال التقليدية التي تتجه الآن إلى الاستثمار في العمل التطوعي في الغرب.ويرى غيتس ان هذه هي البداية لما يسميه "ابتكار النظام"System Innovation لما سماه "الرأسمالية الخلاقة" Creative Capitalism . فما هي طبيعة هذه الرأسمالية؟

الرأسمالية الخلاقة: يعتقد بيل غيتس، وهو اول من طرح مصطلح "الرأسمالية الخلاقة" في منتدى دافوس الاقتصادي بسويسرا في ك2يناير 2008م، ان على الرأسمالية التي خدمت الاغنياء في زيادة ثرواتهم، ان تتحول الآن إلى خدمة الفقراء ايضا". ونادى بنظام اقتصادي جديد قادر على جذب رجال الاعمال إلى العمل الخيري. لهذا النظام مهمتان هما: تحقيق الارباح وفي الوقت نفسه خدمة اولئك الذين لم يستفيدوا من قوى السوق. وللمحافظة على ديمومة هذا النظام، يجب ان تتوافر فيه الربحية كمحفز حيثما كان هذا الشأن ممكنا". لكن، بما ان الربحية لا تتوافر في مثل هذا النظام دائما"، لذا يكون الحافز البديل دائما" هو الاعتراف بفضل العمل وبالتالي تقدير الجهود التي تقوم بها المنظمة من قبل "الزبائن" والسوق. يكمن التحدي الاكبر في تصميم نظام يجمع ما بين حوافز السوق والاعتراف بالفضل والارباح من اجل قيادة هذا التحول في النشاط الرأسمالي. فهذه الرأسمالية الخيرية يمكن تبنيها بواسطة كل المؤسسات الخيرية بطريقة او اكثر للوصول إلى خدمة اكبر عدد ممكن من المحتاجين، والاسهام في ايجاد نوع من العدالة الاجتماعية سلبتهم اياها السوق التي تستجيب فقط للطلب لا الى الحاجة. في بعض الأوقات قد تكون حال الناس بصدد التحسن، ولكن ببطء كبير. والثورة التكنولوجية من جانبها، زادت من حجم الظلم الذي يقع الآن على أكثر من مليار فقير حول العالم. كما ان تغيرات المناخ سوف تزيد من حجم الضرر الواقع على هؤلاء الفقراء والذين لم يسهموا في حدوثه بالقدر نفسه الذي سببته الرأسمالية الأنانية والرأسمالية التغوّلية.

تختلف الرأسمالية الخلاّقة عن نظيراتها الرأسمالية التقليدية، أو رأسمالية الاعمال التقليدية التي تعتمد على منح مبالغ قليلة من المال، لقاء الشهرة في الغالب، وليس رغبة في تغيير العالم نحو الافضل . كما تختلف عن المؤسسات الاجتماعية القديمة التي لا تلعب دورا" سوى ممارسة نوع من انواع العلاقات الاجتماعية في اغلب الاحيان. هذه الادوار غير الفعالة لاتجاهات العمل الخيري التقليدية في حياة غالبية البشر، هي التي حدت بالعديد من الناس إلى الاعتقاد بأن الشركات الكبيرة يمكنها ان تمثل قوة خير ايضا" اذا وجهت لخدمة الفقراء وفق آلية جديدة .

وللاستدلال على ذلك، فإن العديد من الشركات الكبرى بدأت في تضمين خطط اعمالها جوانب تعود بالخير على المجتمع وبالربح على الشركة. مثلا"، شركة وول مارت العملاقة في امريكا، ترى ان مجال الحفاظ على البيئة فرصة مربحة لها من خلال التوفير في مواد التعبئة التي تضر بالبيئة احيانا" كثيرة، ثمّ ان توفيرها يساعد في خفض النفقات بالنسبة للشركة من ناحية اخرى. يرى الملياردير الهندي عظيم بريمجي المسجل رقم 18 في قائمة اغنى اثرياء العالم لعام 2008م، بثروة تقدر بحوالي 12.7مليار دولار، وصاحب "مؤسسة عظيم الخيرية" التي تهتم بتعليم الفقراء. إن أي طفل متعلم هو مهم من اجل الديمقراطية، وان الانفجار السكاني الذي تعاني منه الهند يمكن كبحه عن طريق اية فتاة تصل في تعليمها إلى مستوى التعليم الاساسي القادر على تمكين المرأة. مثل هذه الفتاة، يمكنها ان تعي اهمية الاسرة الصغيرة في المستقبل، وان أي تعليم اساسي يزيد المعرفة بالصحة الاولية، فيخفف من نفقات العناية الصحية مستقبلا"، وبالتالي من الضغوط الاقتصادية على الاسر. وبالنسبة إلى بريمجي فإن ازدهار اعماله قد يرتبط بالديمقراطية والصحة في الحدود الدنيا وربما بالشهرة ايضا" . ومثلما كانت العولمة احدى القوى المحركة للحقبة الرأسمالية الذهبية التي عاشها العالم منذ الثورة الصناعية وحتى الآن، فإن فكرة انضمام الاثرياء بجدية إلى العمل الخيري قد بدأت تنتظم في العالم ايضا"(مجلة القافلة /السعودية 2009).

في عام 2007اعلن ثالث اغنى رجل في العالم، وهو المكسيكي كارلوس سليم الحلو انه سوف يمنح عشرة مليارات دولار امريكي من ثروته لمؤسسته الخيرية. حتى نجوم الغناء امثال مغنية البوب الكولومبية شاكيرا ونجمة التلفزيون المليارديرة الاميركية اوبرا وينفري انضموا إلى رسملة العمل الخيري، حيث راحت تعمل هذه الاخيرة كشريكة في مؤسسة بيل غيتس الخيرية. قد يتساءل الناس ما الذي تفقهه نجمة "البوب" عن الفقراء في افريقيا؟ والاجابة هي ان نجوم المجتمع هم جزء مكمل من الرأسمالية لمقدرتهم على التأثير في "سوق " الجماهير، خصوصا" في المواضيع التي تتعلق بتحريك الرأي العام. لذا، فالعمل الخيري لا يلغي دور احد مهما كان صغيرا". من النواحي الاخرى، ان كان الهدف هو مساعدة الناس، فإن الرأسمالية الخيرية تملك القابلية والمرونة اللازمتين لذلك. فهي تملك القدرة على القيام بأعمال اساسية افضل من غيرها. حيث يمكنها المخاطرة بتنفيذ افكار تعجز حتى الحكومات عن القيام بها. كما ان لها القدرة على تحريك المصادر بسرعة اكبر حين الاحتياج إلى ذلك، فهي ليست مطالبة برفع سقف الارباح كما في شركات المساهمة التقليدية.

الرأسمالية الخيريه الخلاّقة: في بدايات الثورة الصناعية كتب رجل الاعمال اندرو كارنج "ان مشكلة عصرنا هي الادارة الرشيدة للثروة، فيها يبدو ان روابط الاخوّة بين الفقراء والاغنياء ما زالت تساعد على انسجام عراها". اما في القرن الواحد والعشرين ، فيبدو ان هذه الفجوة بين الفقراء والاغنياء قد كبرت مما ينذر بأوخم العواقب الاجتماعية.

لقد حان الوقت لإيجاد هذه الادارة الرشيدة للثروة. وهذا ما يقوم به الرأسماليون الخيريون في محاولتهم ايجاد طرق بديلة لاشراك الفقراء في العمل.يعتقد كارنج ان افضل طريقة لادارة الثروة هي منحها خلال حياة صاحبها لا توريثها لعواقبها التي ربما تكون وخيمة على من يرثها. كما يرى ان منحها للدولة ، يعني عدم معرفة الموهبة التي تمتع بها صاحبها في جمعها للصالح العام. ويرى ايضا" عدم العدالة في امتلاك الثروة بسبب النمو الاقتصادي المطرد الذي يجعلها في جانب واحد لذوي الحظوة بينما يترك الاغلبية خاوية في الجانب الآخر، وأن ما يجب ان يقوم به الرأسماليون الخيريون الآن هو مساعدة الناس بمنحهم المال مع الخبرة التي اكتسبوها لمساعدة انفسهم. وبذلك ، يعد اصحاب الثروات مجرد اوصياء عليها في ادارتها لأجل الصالح العام.

روح الرأسمالية الخيرية: بحسب رؤية بيل غيتس، فإن قيمة الانسان في افريقيا يجب ان تكون مثل نظيرتها في الولايات المتحدة، وأن أي شخص على كوكب الارض له الحق في التمتع بحياة صحية تأتيه من تراكم فوائد الرأسمالية الخيرية، وأن الفرصة واتته الآن لاستخدام هذه الثروة الطائلة لمحو هذا الظلم. من هنا تنبع روح الرأسمالية الخيرية في ايمانها بقدرتها على معالجة مشكلات المجتمع الكبيرة والمزمنة، وأن عليها القيام بذلك. فهناك مشكلة تحتاج لمعالجة، ولديهم المصادر المالية، والخبرات العلمية لحل هذه المشكلة. لكن، ربما كان السؤال الاقرب الى الذهن هو: هل ما يقومون به هو لأجل الانسانية، وهل من المهم ذلك؟.

أظهرت دراسة قام بها عدد من الباحثين في عام 1990م على عينة من 99 متبرعا" من نيويورك، ان المتبرعين ينظرون الى التبرع كالتزام مدفوع بعوامل التدين. ولكن حتى ولو لم يكن مدفوعا" بالغايات الدينية، فالأهم هو قدرته على معالجة مشكلات المجتمع. فالعمل الخيري يجب ألا يقتصر، في مضمونه، على رجاء ثواب الآخرة فقط، ونسيان غاياته الاخرى وهي منفعة الانسانية. وفي ذلك تقول الكاتبة السعودية ايمان القويفلي في جريدة الوطن السعودية الصادرة بتاريخ 30 /4/ 2009م: ان "ثقافتنا السائدة نجحت فعلا" وبشكل ما في فصل مفهوم "الخير" عن غايته الدنيوية، وفي تكريس مفهوم لفعل الخير مفرغ من الخيرية". إذن، خير الآخرة وخير الدنيا مفهومان لا ينفصلان في ثقافتنا الاسلامية اذا عرفنا كيف نقوم بالاعمال الخيرية بالطريقة الصحيحة. وفي أمثلة الاعمال الخيرية الناقصة تقول القويفلي "هذا البذل المالي الكبير دون تدقيق في طريقة توظيفه وإنفاقه، لأن الثواب الالهي متحقق بمجرد البذل، وكذا البذل المالي دون التطوع بالجهد الشخصي، حتى عندما تكون حاجة الواقع الى العمل لا الى المال، وبناء المزيد من المساجد في مكان يحتاج الى مدرسة او مشفى... المهم ان الاجر متحقق بمجرد الفعل وبمعزل عن فائدته العملية في حياتنا وحياة الآخرين". من هذا نستشف ان العمل الخيري يظل ناقصا" ما لم تكن غايته الدنيوية ايضا" متحققة، فلا فائدة من مال لا يرفع الفقر عن فقير، ولا جهد شخصي يعلم الآخرين مساعدة انفسهم. لذا وجب ان تتوافر آلية محددة تؤكد ان اموال المتبرعين وجهودهم تذهب الى غايتها في تحقيق اكبر قدر من التغيير نحو الافضل.

الشفافية من أجل الجدوى: في الولايات المتحدة الامريكية مثلا"، صارت المعلومات متاحة على موقع[البحث عن العمل الخيري] Charity Navigatorالذي يوفر معلومات عن حجم الانفاق على الجوانب الادارية لهذه المنظمات. لكن لا توجد معلومات مؤكدة عن حجم الانفاق او الفائدة التي يجنيها المستهدفون بهذه المنظمات. ولمعالجة الامر، بادر كل من هولدن كارنوفسكي وايلي هاسنفيلد الموظفين في احدى الشركات الامريكية ، بإنشاء منظمة في عام 2006م اطلقا عليها اسم Givewell هدفها مساعدة المتبرعين على الحصول على معلومات عن اكثر المنظمات فاعلية في مساعدة الناس.

إن التأكد من ان تبرعاتهم تذهب الى مبتغاها، وذلك من خلال التقارير التي تعدها الهيئة التابعة لها والمسماة The Clear Fund (الصندوق النظيف) وفي التقرير الاول للمنظمة والمنشور على موقعها، توجت منظمة"Population Services International الخدمات الدولية للسكان" الاولى من حيث الكفاءة في مساعدة الناس في افريقيا ، تلتها منظمة "Partners in Health شركاء في الصحة ". ان التقويم الذي تمنحه هذه المنظمة التي انشئت بغرض تشجيع الشفافية في العمل الخيري، يشجع بدوره الناس على التبرع للمنظمات الاكثر كفاءة في خدمة الفقراء. وفي النهاية تتحقق الغاية المنشودة بطريقة افضل. وما ينطبق على المنظمات التقليدية هنا، ينطبق ايضا" على المؤسسات التجارية التي تتضمن خططها اعمالا" خيرية. هذا النموذج الذي تقدمه منظمة Givewell "المنح للافضل" يساعد المانحين على معرفة افضل المنظمات التي يمكن ان يعهدوا اليها بأموالهم. كما يساعد المنظمات الخيرية على ابداء قدر اكبر من الشفافية تجاه هؤلاء المانحين وتجاه الغايات الحميدة التي قامت من اجلها هذه المنظمات في الاساس. كما ان استخدام تكنولوجيا المعلومات لتوفير هذه الخدمة، يعد مثالا" بسيطا" لما يمكن ان يكون عليه عمل الخير. فليس الاثرياء فقط هم المنوط بهم القيام بكل الاعمال، حيث ان هناك الكثير من الوسائل البسيطة التي يمكن ان يوظفها كل فرد منا بحسب قدراته ومهاراته لخدمة البشريةوفي هذا المجال يدخل المانحون لحماية البيئة من أوسع الأبواب. فالمطلوب مساعدة الذين عصفت بهم الكوارث البيئية بداية من التصحر وندرة الماء لتمكينهم من القروض الصغيرة في منافعها الكثيرة. وتقديم الخبرات البيئية لهم بواسطة المنظمات غير الحكومية الفاعلة يُتمّم الصورة الخلاقة المطلوبة. إن عصرنا الحالي بما يتميز به من سهولة نقل وتخزين المعلومات عبر شبكة المعلومات، يؤكد على الحاجة الى شباب عربي قادر على تطويع هذه التكنولوجيا لخدمة الاهداف الانسانية الراقية، خصوصا" في ظل وجود الدافع الديني لدى مجتمعاتنا العربية. وهذا الشباب يمكنه ان يحدث الكثير من التغيير على وجه العمل التطوعي العربي، من أجل البيئة في مفاهيمها الواسعة، نحو الافضل.

دور المنظمات الخيرية العربية: في دراسة غير منشورة، قُدِّر الانفاق الخيري في دول الخليج، كما اوردت الاستاذة ايمان القويفلي، بمبلغ تراوح ما بين5 1و20 مليار دولار امريكي سنويا". هذا المبلغ الهائل من الاموال اذا تمت ادارته بالطريقة الصحيحة فهو قادر على جعل العالم مكانا" افضل للبشر(مجلة القافلة السعودية). لكن يبدو ان ما ينقصنا هو المعرفة بثقافة العمل الخيري والتطوعي، وضعف الانفتاح على التجارب الجديدة. على الرغم من ان ديننا الحنيف قد حثنا على ذلك في اكثر من موضوع في القرآن الكريم: " فاستبقوا الخيرات ...." المائدة: الآية 47، ومن السنة المطهرة: " خير الناس أنفعهم للناس". فالمطلوب منا ان نضع جنبا" الى جنب الرغبة في الثواب عند الله تعالى، الى السعي الحثيث لمساعدة الانسانية في الدنيا التي استُخلِفنا فيها وهو مايأمر به الدينان الإسلامي والمسيحي في عمار الأرض. والايمان بأن الغرض من العمل التطوعي حثنا عليه الاسلام اصلا" لمساعدة الناس في الدنيا مع رجاء ثواب الآخرة. ان العبرة ليست في منح الاموال دون معرفة طريقة صرفها في حل مشكلات المجتمع، ولكن في معرفة اساليب حل المشكلات القائمة من خلال المشاركة الفعالة بالمعرفة والرأي والعمل. من هنا تنبع اهمية وجود " رأسمالية خيرية تطوعية" تتعامل مع مشكلات المجتمع بواقعية أكبر وعلمية تنبع من الممارسات الاقتصادية الاسلامية. تلك الرأسمالية التي تسهم في التطور التنموي والمعرفي للجماهير، وفي خدمة اكبر عدد ممكن من الناس المحرومين وتحويلهم الى منتجين بدلا" من ان يكونوا مجرد منتظرين لتلقّي المساعدات.

نحو رأسمالية خيرية اسلامية:لماذا هذه التسمية؟ لأن منطلقها الزكاة والصدقة الجارية العالم الاسلامي ليس بمنأى عن بقية العالم. فما يحدث في الغرب نتأثر به بطريقة أو بأخرى. خصوصا" مع سهولة انتقال الافكار في عصر المعلومات، وهذا في حد ذاته يمكن ان يطلق عليه"العولمة الفكرية" . وبالنظر الى واقعنا الخيري الاسلامي المتأرجح ما بين المسؤوليات الهائلة التي يضطلع بها، وثقافة تطوعية ضعيفة، فإن من أفضل السبل الدخول في شراكات مفيدة مع رؤوس الاموال وتدويرها في مشاريع خيرية تعود بالنفع على كل الاطراف. مستخدمين في ذلك افضل ما وفرته التكنولوجيا الحديثة من وسائل لادارة العمل التطوعي بفعالية اكبر. كذلك تزداد الحاجة الى عناصر ادارية فعالة لنقل العمل التطوعي الى مستويات اكثر انضباطا"، وذلك بإخضاعه لقوانين الاعمال التجارية بغض النظر عن مفهوم الربح والخسارة. هكذا يستطيع العمل التطوعي الاسلامي الخروج من مأزقه الحالي ليصبح اكثر فاعلية وأجدى في خدمة البشرية. وهذا لا يتعارض اطلاقا" مع نظرية العمل التطوعي، بل يقوم بتعزيزها وضبطها، والاستفادة من اموال المتبرعين حتى اقصى درجة ممكنة. ومع ذلك، فلا بد من المحافظة على الاهداف السامية للعمل الخيري والتطوعي بعدم الانزلاق الى حب الظهور والشهرة أو استغلال الفقراء. بل يجب تعزيز دوره عبر تحبيب الناس به، وخصوصا" الشباب، من خلال برامج مدروسة في اطار المنفعة الانسانية. فمن الافضل تمليك الفقير ما يدفع به الفقر عن نفسه ويكون له ملاذا"، بدلا" من مساعدته على الفقر عبر تقديم الهبات في كل مرة. ومن التجارب الاسلامية الرائدة في هذا المجال، نذكر تجربة الدكتور محمد يونس خاتون في بنغلاديش، التي نرى انه من المفيد الاطلاع على معالمها.

بنك القرية: "إن المجتمع شحيح جدا" ولا يترك للفقير فسحة حتى ينمو نموا" طبيعيا"... فهو يملك كل الطاقة وروح الابداع اللازمة.... ولكننا لم نسمح له بتفجيرها واستخدامها". قالها الدكتور محمد يونس الحائز لجائزة نوبل للسلام مناصفة من "بنك غرامين" (بنك القرية) الذي أنشأه لمساعدة فقراء بنغلاديش. ولد الدكتور يونس في عام 190م في مدينة شيتاغونغ Chittagong المركز التجاري لمنطقة البنغال الشرقي في ذلك الوقت. وبعد إكماله دراسة الدكتوراه من جامعة فاندربيلت Vanderbilt الامريكية وعودته الى بلاده في عام 1972م ، اصبح رئيسا" لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاغونغ إبان سنوات المجاعة التي عصفت ببنغلاديش عقب انفصالها عن باكستان. بعد عامين من التفكير المتواصل عن كيفية مساعدة فقراء بلاده، قرر يونس ترك عمله بالجامعة، ثم اقترض مبلغا" صغيرا" من البنك ليقرضه بدوره لبعض الفقراء. وبعد سنوات نجح الامر نجاحا" باهرا" بخروج 500 اسرة من دائرة الفقر. ثم تبنى البنك المركزي فكرة انشاء "بنك القرية" للقروض الصغيرة. وتتلخص فكرة البنك في تقديم قروض صغيرة للفقراء لا تتجاوز ما ئتي دولار امريكي يبدأ بها الفقير عملا" لكسب قوته وقوت اهله. هذه القروض ميسرة الدفع وبلا فوائد او ضمانات. والآن هناك آلاف الأسر البنغلادشية التي خرجت من تحت خط الفقر بسبب هذه الفكرة البسيطة على يد رجل لم يكن يملك الا الفكرة والايمان بها. إنك حين تقرأ قصة الدكتور يونس وهو يسرد ملامح مسيرته في مبادرته القائمة ببلده لايجاد الحلول الواقعية لمعاناة شعبه، فإنك تجد في كل هذا حكمة ودرسا" تستفيد منه وتستخلصه، بعيدا" عن استنساخ الافكار. وهذا ما أكده الدكتور يونس نفسه حين استدعي لزيارة عدد من الدول العربية لغرض نقل تجربته، فكان من بين اهم نصائحه "ابدأ بسيطا"، صغيرا"، حتى تتعلم وانت تكبر، وحتى يسهل عليك وضع نظام وشروط عملك الخاصة دون التقيد بقوانين البنوك المعقدة في بلدك". مثل هذا المشروع يمكن استلهام فكرته وتطبيقها في بلاد العرب كجزء من النشاط الخيري بعد ادخال التعديلات التي تناسب أوضاع مجتمعاتنا. وعوامل نجاحه كثيرة منها توافر صيغ التمويل الاسلامي. هذه الصيغ التي كشفت الازمة المالية الراهنة قدرتها على تقديم حلول لمشكلات التمويل والائتمان العالمية.

ان كان بيل غيتس هو اول من اطلق الدعوة الى رأسمالية خلاقة، فيمكن القول انه هو كذلك الذي أرسى قواعدها من خلال نشر وسائل المعرفة التكنولوجية الحديثة عبر العالم، على الرغم من أثرها في زيادة الهوة بين الفقراء والاغنياء. ولردم تلك الهوة، جاءت الدعوة الى حقبة رأسمالية جديدة تخدم الطرفين من خلال خدمة المبدأين المتصارعين في النفس الانسانية وهما المصلحة الشخصية والاهتمام بالآخرين. ومن هنا فإن الرأسمالية الخلاقة نظام يخدم المصلحة الشخصية مع الاهتمام بالآخرين في الوقت نفسه عبر دوافع الربح والاشادة بالجهود. هذا النظام لا يتحقق بالطريقة التقليدية التي تفصل الدوافع البشرية عن بعضها، وبالتالي لا يتحقق الغرض من كليهما في الوصول الى خدمة البشرية . والصيغة التي يمكن ان نطرحها نحن في المقابل هي صيغة الرأسمالية الخيرية الاسلامية التي تُبقي للغني أمواله وتحفظ حق الفقير في الاستفادة من الثروة.

السفير نعيم محمد قداح
رئيس جمعية حماية البيئة والتنمية المستدامة

نشاطات الجمعية

  نشاطاتنا
  مقالات متنوعة
  ألبوم الصور